عبد الكريم الخطيب

113

التفسير القرآنى للقرآن

التفسير : الحسد الذي أدّى ببني إسرائيل إلى الكفر ، وأوردهم موارد الهلاك - هذا الحسد قد جعلهم يحادّون اللّه علنا ، ويجهرون بالتطاول على ملائكته ، الذين يصدعون بأمره ، ويحملون رحمته إلى عباده . . فهم يعلمون أن جبريل - عليه السلام - هو حامل كلمات اللّه إلى الرسول الكريم ، وهم - مع علمهم هذا - يضمرون البغضة والعداوة لهذا الملك الكريم ، لأنه حمل رحمة اللّه إلى عبد من عباد اللّه ، وهم يرون أنهم أحق بهذه الرحمة وأهلها ، وأن اللّه هو إلههم وحدهم ، ورحمته مقصورة عليهم ! ! فكيف يحمل جبريل رحمة السماء إلى أرض غير أرضهم ، وإلى جنس غير جنسهم ؟ وانظر إلى قوله تعالى : « مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ » حيث الشرط الذي يفيد العموم ، وهو يراد به بنو إسرائيل خاصة . . وفي هذا ما ينادى بأن هؤلاء القوم لا يحتاجون في هذا المقام إلى وصف أو تخصيص ، فإذا ذكرت فعلة شنعاء دون متعلّق لها ، فإنها لا تعلق إلا بهم ، ولا تأخذ إلا بمخانقهم ، من دون الناس جميعا ، وإذا أطلقت صفة ذميمة على عمومها ، فإنها تحوّم وتحوّم ، ثم لا تسقط إلا على رؤوسهم هم أولا . وفي قوله تعالى : « فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ » توكيد لتمكن القرآن الكريم من كيان الرسول ، وأنه تلقاه سماعا من الوحي ، فإن هذا السماع ينفذ إلى القلب ، ويستقر فيه ، وحتى لكأن القلب هو الأذن التي تلقّت كلمات اللّه ! أو لكأن الأذن هي قلب ، في الحفظ والوعي لما تسمع !